عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

110

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

فتبسم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من شعره وقال : « إن من الشعر لحكما ، وروى لحكمة » وقال الإمام الحفيل السيد الجليل ابن المبارك رضي اللّه عنه : سخاء النفس عما في أيدي الناس أفضل من سخاء النفس بالبذل . ( الحكاية الثانية والسبعون ) حكى عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضى اللّه تعالى عنهم أجمعين أنه خرج حاجا ، فلما دخل المسجد الحرام نظر إلى البيت فبكى حتى علا صوته ، فقيل له : إن الناس ينظرون إليك ، فلو رفقت بصوتك قليلا ، فقال : ولم لا أبكى لعل اللّه تعالى ينظر إلى برحمة فأفوز بها عنده غدا ؟ ثم طاف بالبيت وصلى خلف المقام ورفع رأسه من السجود ، فإذا موضع سجوده مبتل بدموع عينيه . وقال لبعض أصحابه : إني لمحزون ، وإني لمشتغل القلب ، فقيل له : وما حزنك وما شغل قلبك ؟ قال : إنه من دخل قلبه صافي خالص دين اللّه تعالى شغله عما سواه ، وما عسى أن تكون الدنيا ؟ هل هي إلا مركب ركبته ، أو ثوب لبسته ، أو امرأة أصبتها ، أو أكلة أكلتها ، أو كما قال رضى اللّه تعالى عنه ، وقال : إن أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤنة ، وأكثرهم معونة ، إن نسيت ذكروك ، وإن ذكرت أعانوك ، قوالون بحق اللّه تعالى ، قوامون بأمر اللّه عز وجل ، فأنزل الدنيا بمنزلة منزل نزلت به وارتحلت عنه ، أو كمال أصبته في منامك فاستيقظت وليس معك منه شئ ، وأنشد : ألا إنما الدنيا كأحلام نائم * وما خير عيش لا يكون بدائم تأمل إذا ما نلت بالأمس لذة * فأفنيتها هل أنت إلا كحالم ؟ وقال رضى اللّه تعالى عنه : إن الغنى والعز يجولان في قلب المؤمن ، فإذا وصلا إلى مكان فيه التوكل استوطناه ، قلت : يعنى : وإن لم يجدا فيه توكلا رحلا عنه ، وفي معنى ذلك قلت : يجول الغنى والعز في قلب مؤمن * فإن ألفيا جوف القلوب توكلا أقاما فأمسى العبد باللّه ذا غنى * عزيزا وإن لم يلفياه ترحلا وقوله : من دخل قلبه صافي خالص دين اللّه عز وجل شغله عما سواه ، أشار بذلك إلى المحبة ، لأن صافي خالص دين اللّه يستلزم محبة اللّه حقيقة في